الشيخ سيدي محمد مختار الهبري رضي الله عنه شيخ الطريقة الهبرية مداغ
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أدلة جواز قراءة القرآن على الميت والذكر عند تشييع الجنازة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
لزاوي محمد مقدم الطريقة

avatar

عدد المساهمات : 265
تاريخ التسجيل : 01/08/2015
العمر : 37

مُساهمةموضوع: أدلة جواز قراءة القرآن على الميت والذكر عند تشييع الجنازة   الخميس نوفمبر 26, 2015 4:09 pm


بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله
فتوى في موضوع قراءة القرآن على موتى المسلمين والجهر بالذكر في الجنازة


مقدمة:

يوجد صراع بين القائلين بعدم جواز قراءة القرآن على الميت وعدم الذكر مع الجنازة لكون ذلك بدعة،
وبين القائلين بما جرى به عمل الناس بالمغرب منذ قرون من سنية قراءة القرآن على الميت وعلى قبره، واستحباب الذكر مع الجنازة، ولما كانت الأسئلة تتوارد على المجلس العلمي في الموضوع، ونظراً للآثار السلبية لهذا النزاع، وفي نطاق بيان ما هو معتمد فقها وسنة وتربية، قرر المجلس إصدار هذه الفتوى لتنوير الرأي العام بالموضوع والعمل على وضع حد لهذا الخلاف الذي يخشى منع وقوع الناس في فتنة الافتراق والشقاق، وستتناول الفتوى مسائل قراءة القرآن على الميت وعلى قبره، ومذهب القائلين بأن التهليل ( الذكر جهرا مع الجنازة ) بدعة وحججهم في الموضوع ، ومذهب القائلين باستحباب الذكر جهرا مع الجنازة وحججهم وفقا لما جرى به العمل.


أولاً: مسألة قراءة القرآن على الميت قبل الدفن وعلى قبره بعده.

يذهب فريق من الناس من القائلين بعدم جواز الذكر مع الجنازة إلى عدم جواز قراءة القرآن على الميت قبل الدفن وعلى قبره بعد دفنه، بحجة أن هذا العمل بدعة، وأن الإنسان ينقطع عمله بالموت، ولا ينتفع بعمل غيره، لقوله تعالى ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) وقوله عليه الصلاة والسلام : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : علم ينتفع به وصدقة جارية وولد صالح يدعو له " ولما كانت قراءة القرآن بعد الموت من عمل الغير ، فالميت طبقا لذلك لا ينتفع من تلك القراءة، والحق أنها مسألة خلافية، وعلماء المالكية فيها على قولين : بالكراهة والاستحباب، وقد صحح ابن الحاجب القول بالاستحباب واقتصر عليه اللخمي، وصدر به في الرسالة واقتصر عليه كذلك ابن عرفة ، ونص ما في الرسالة :"وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه سورة يس، ولم يكن ذلك عند مالك أمراً معمولا به " وقد نقل الجزولي شارح الرسالة أحاديث عن الرسول (ص) في استحباب قراءتها، وأخرج الإمام أحمد والنسائي والحاكم وابن حبان عن معقل بن يسار ،أن النبي صلى الله عليه وسلم : قال" اقرءوا على موتاكم يس " قال االشوكاني في نيل الأوطار: الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن حبان وصححه وأعله ابن القطان، وقد ضعفه الدارقطني، فالحديث صحيح عند ابن حبان ، وقال في المعيار عن أبي سعيد بن لب :والأصل في القراءة على الميت عند دفنه الحديث المشهور في سورة يس" اقرؤوها على موتاكم " قال ابن عرفة :وقد قبل عياض استدلال العلماء على استحباب القراءة على القبر بحديث الجريدتين ، وقال الشافعي: انتهى كلام ابن عرفة ، وقال الإمام المواق عند قول خليل في مختصره :"وقراءة عند موته " ما نصه :"سمع ابن القاسم وأشهب ، ليست القراءة والبخور من العمل ، وقال ابن رشد :استحب ذلك ابن حبيب ، وروي عن النبي (ص) أن من قرأ يس أو قرئت عند رأسه، وهو في سكرات الموت ، يبعث الله ملكا إلى ملك الموت :"أن هون على عبدي" قال ابن يونس : ولا بأس أن يقرأ عند رأسه ب (يـس) أو غيرها ، وقد سئل عنه مالك فلم يكرهه ، وإنما كره أن يعمل بذلك استنانا ، انتهى كلام المواق ، وقال شارح الرسالة : النفزاوي المالكي معلقا على قول الرسالة المذكور:" وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه سورة يس ، ولم يكن ذلك عند مالك أمرا معمولا به " "قال" قال ابن عرفة وغيره من العلماء : ومحل الكراهة عند مالك في تلك الحالة إذا فعلت على وجه السنية ، أما لو فعلت على وجه التبرك بها ورجاء حصول بركة القرآن للميت ، فلا ، وأقول: هذا هو الذي يقصده الناس بالقراءة ، فلا ينبغي كراهة ذلك في هذا الزمان ، وتصح الإجارة عليها ، قال القرافي : والذي يظهر حصول بركة القرآن للأموات كحصولها بمجاورة الرجل الصالح ، وبالجملة فلا ينبغي إهمال أمر الموتى من القراءة ولا من التهليل الذي يفعل عند الدفن ، والاعتماد في ذلك كله على الله تعالى وسعة رحمته ، وذكر صاحب المدخل أن من أراد حصول بركة قراءته وثوابها للميت بلا خلاف ، فليجعل ذلك دعاء ، فيقول: " اللهم أوصل ثواب ما أقرأه لفلان أو ما قرأته " وحينئذ يحصل للميت ثواب القراءة ، وللقارئ ثواب الدعاء .
ويتبين من ذلك أن قراءة القرآن على الميت سواء قبل الدفن أو على قبره سنة لا بدعة ، وقد قال العلماء باستحبابها ، ومنهم إمام دار الهجرة مالك ابن أنس ، وأنه حتى على فرض عدم السنية فإنها من قبيل الدعاء الذي ترجى بركته للميت ، ولم يزل العمل جاريا بهذه القراءة إلى عصرنا هذا .
وهكذا يظهر وجه العمل بهذه السنية ، سنة القراءة على أموات المسلمين ، لما في ذلك من جلب الخير والرحمة إليهم ووقايتهم من العذاب وتهوين سكرات الموت عليهم، كما تظهر نتائج القول بالمنع في ترك ذكر الله والإعراض عن القرآن ، وتحريم سماعه وإسماعه بدعوى الابتداع دون تعمق في تحليل هذا المفهوم الذي يتناول البدع الواجبة والمستحبة والمحرمة والمكروهة والجائزة كما سيأتي بيانه .



ثانيا : مسألة التهليل ، وهي رفع الصوت بالذكر عند الجنازة.

لقد كانت الجنازة على وفق أعمال الجاهلية قبل الإسلام تجري وفق مراسيم منها النياحة برفع الصوت وشق الجيوب والسخط على القضاء والقدر ، وإتباعها بالنار وعدم تطهير الميت بالغسل ، وغير ذلك ، فغير الإسلام ما لا يوافق أحكامه من أمر الجنازة ، وفرض الإسلام أمورا تخصها ، وسنت السنة أمورا ، منها : الخشوع وحضور القلب مع الله تعالى ، وذكره بأنواع الذكر ، من تهليل وتسبيح وحمد وترجيع عند المصيبة ، وغير ذلك ، ولذلك استحب العلماء أن يكون الماشي معها مشتغلا بذكر الله تعالى والفكر فيما يلقاه الميت من مصيره ، وأن ذلك آخر الدنيا ومصير أهلها ، وأن يحذر من الحديث بما لا فائدة فيه ، وأن يترك اللهو والاشتغال بالحديث الفارغ ، وأن الصواب المختار فيها ما كان عليه السلف من السكون ، فلا يرفع صوتا بقراءة ولا ذكر ، وهذا كلام عدل لا شطط فيه ولا تجاوز ، ولكن التجاوز يتمثل في قول القائلين بأن رفع الصوت بالذكر بدعة محرمة أو مكروهة ، والجواب عنه من وجوه :

- 1- أن ذكر الله تعالى مشروع في جميع الأحوال :
عدا حالات ورد الشرع باستثنائها ، ومن هذه الحالات كراهة الذكر عند قضاء الحاجة ، وحالة الجماع ، وحالة الخطبة لمن يسمع صوت الخطيب ، وحالة القيام في الصلاة ، إذ ينبغي له فيها الاشتغال بالقراءة ، وفي حال النعاس ، ولا يكره في الطريق ولا في الحمام ، وقد ورد الأمر بالذكر والدعوة إليه في القرآن والحديث ، قال تعالى :" يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة و أصيلا " وقال: " والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما "وقال:"فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون" وقال:"ولذكر الله أكبر " وقال:" يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون " وفي الحديث القدسي أن الله تعالى قال :"أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني " وعن أبي موسى الأشعري (ض) عن النبي (ص) أنه قال: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت " رواه البخاري ، وعن أبي هريرة (ض) عن النبي (ص) أنه قال :" سبق المفردون ، قالوا : وما المفردون يا رسول الله ؟ ، قال : الذاكرون الله كثيرا والذاكرات " رواه مسلم ، والآيات الواردة في الذكر والأحاديث كثيرة ، فالذكر مشروع في جميع الأحوال،
- والذكر في الجنازة داخل في هذا الأصل الذي يكون معه حضور القلب مع الله سبحانه وتعالى وتحرك اللسان بالذكر سواء كان تهليلا او تسبيحا
أو تحميدا أو استغفارا ، وللذاكر من الأجر ما أعد الله تعالى للذاكرين من الثواب العظيم.



2- بطلان القول بأن رفع الصوت بالذكر بدعة محرمة أو مكروهة :

- إن القائلين بمنع رفع الصوت بالذكر في الجنازة يذكرون في استدلالهم أن ذلك بدعة ، يريدون بذلك كونها محرمة أو مكروهة ولما كان مدخلهم إلى هذا الفهم هو كلمة البدعة ، كان من الواجب التساؤل عن معنى البدعة عند القائلين بذلك ، وخلاصة ما يفهم من كلامهم في الموضوع أن البدعة هو كل ما خالف ما كان عليه الحال على عهد النبي (ص) وصحابته ، لكن الصواب الذي اختاره العلماء لمعنى البدعة ، هو أنها :كل أمر مخالف للشريعة ومقاصدها ، ولهذا لا تكون الأمور المحدثة بعد عهد النبي والصحابة مما يتفق مع الإسلام وأحكامه ومقاصده بدعة بالمعنى الشرعي للكلمة ، وتسميتها بدعة في هذه الحالة إنما هو باعتبار اللغة لا باعتبار الشرع ، ولا يقال فيها إنها بدعة ضلالة ، يقول الراغب الأصفهاني في (المفردات) :" الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء،.... وإذا استعمل (بديع ) في الله تعالى فهو إيجاد الشيء بغير آلة ولا مادة ، ولا زمان ولا مكان ، وليس ذلك إلا لله ، والبديع يقال للمبدع ، نحو قوله تعالى :"بديع السماوات والأرض " والبدعة في المذهب إيراد قول لم يستن قائلها وفاعلها بصاحب الشريعة ، وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة، " وقال ابن الأثير في (النهاية):
" البدعة بدعتان : بدعة هدى وبدعة ضلال ، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله (ص) فهو في حيز الذم والإنكار ، وما كان واقعا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله ورسوله فهو في حيز المدح ، وما لم يكن له مثال كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة ، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به ، لأن النبي (ص) قد جعل له في ذلك ثوابا ، فقال :" من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها " وقال في ضده :" من سن في الإسلام سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها " وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به أو رسوله عليه السلام، ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه : نعمت البدعة هذه ، لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح ، سماها بدعة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنها لهم ، وإنما صلاها ليال ثم تركها ، ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس لها ، ولا كانت في زمن أبي بكر رضي الله عنه ، وإنما عمر جمع الناس عليها وندبهم إليها ، فبهذا سماها بدعة ، وهي في الحقيقة سنة ، وكذلك جمع القرآن وغيره مما فعل عمر وأبو بكر وغيرهما ، سنة حسنة ، فمن المعلوم بالضرورة أن النبي (ص) لم يفعل جميع المباحات ، لأنها كثيرة لا يستطيع بشر أن يستوعبها عدا، فضلا عن أن يتناولها، ولأن النبي (ص) كان زاهدا متقللا يقتصر من المباحث على مايسد الخلة وتستدعيه الحاجة، ويترك ما زاد على ذلك، فمن زعم تحريم شيء بدعوى أن النبي (ص) لم يفعله ادعى ما ليس عليه دليل، وكانت دعواه مردودة، "وفي الصحيحين عن خالد بن الوليد أنه دخل مع النبي (ص) بيت ميمونة، فأتى بضب، فأهوى إليه رسول (ص)بيده فقيل: هو ضب يارسول الله، فرفع يده، فقلت : أحرام هو يارسول الله، فقال: لا، لكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد: فاجتررته فأكلته، والنبي (ص) ينظر "ففي الحديث دليل للقاعدة الأصولية أن ترك الشيء لا يقتضي تحريمه ودليل على أن استقذار الشيء لا يحرمه.
وقد ذكر العلماء أن البدعة خمسة أقسام: واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة، وقد مثل العلماء بأمثلة لكل هذه الأنواع، ومثل العلماء المغاربة للبدعة المندوبة بقراءة القرآن على أموات المسلمين، وقراءة القرآن جماعة بصوت واحد، والجهر بالذكر في الجنائز .
وقد ذكر الإمام النووي في قوله (ص) : "كل بدعة ضلالة" أنه عام مخصوص، والمقصود غالب البدع، وقال الإمام الشافعي "كل ماله مستند من الشرع فليس ببدعة ، ولو لم يبلغ جميعهم علم به "والقرآن نفسه يعزز البدعة الحسنة، قال تعالى: "ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها" فالآية لم تعب على النصارى ابتداع الرهبانية، لأنهم قصدوا بها رضوان الله، بل عابتهم لكونهم لم يرعوها حق رعايتها، وهو يفيد مشروعية البدعة الحسنة كما هو ظاهر، والذكر بالجهر عند الجنازة، وإن كان بدعة من حيث اللغة والحدوث، فليس بدعة من جهة الشرع، إذ هو بذلك من الأمور الحسنة، ومن قبيل ما يتناوله حديث: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها"

3- جواز قراءة القرآن جماعة ورفع الصوت بالذكر وكون ذلك مما جرى به العمل:لقد جرى العمل بالمغرب بالاجتماع على الذكر وقراءة أحزاب القرآن بصوت واحد، وفي هذا يقول ناظم العمل:

والذكر مع قراءة الأحزاب جماعة شارع مدى الأحقاب
قال الفقيه أحمد بن يوسف في شرحه للبيت المذكور: "الذي عليه الجمهور من سلف هذه الأمةوخلفها المتحققين بقواعد الشريعة وفروعها، واتفق عليه الصوفية وكافة أهل الأقطار، في متأخر هذه الأعصار، ومضى به العمل الذي لم يزل معروفا، جواز الجهر بالذكر واستحبابه وكذا الجمع له، انتهى، وقد استشهد الفقيه المفتي أبو الفضل العقباني للجواز، بقوله:"وقع في الصحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنهما شهدا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لايقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده" ومثل هذا الخبر ورد في الصحيح في الاجتماع على تلاوة القرآن ، قال رسول الله (ص):"ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده" قال المازري: ظاهره يبيح الاجتماع لقراء ة القرآن في المساجد ، وإن كان مالك كره ذلك، ولعله إنما قال ذلك لأنه لم ير السلف يفعلون مع حرصهم على الخير، وقال بعض الشيوخ: لعله من البدع الحسنة كقيام رمضان وغيره، وقد جرى العمل ببلدنا به وبين أيدي العملاء ، و الأمر فيه خفيف،وجرى الأمر على العمل به في المغرب كله وفي المشرق فيما بلغنا ولا نكير، وهو من التعاون على الخير وعمل البر، ووسيلة لنشاط الكسلان، وقد نصوا على أن حكم الوسائل حكم المتوسل إليه، طبقا للقاعدة "الأمور بمقاصدها"، وقال ابن عرضون بعد نقل كلام طويل للإمام سيدي عبد الله الهبطي، في جواز الجهر بالذكر والاجتماع عليه ما نصه: وحملنا على جلب هذا كله، إنكار بعض الفقهاء المعاصرين الجهر بالذكر والجماعة، ويعلل ذلك بأنه بدعة، وليس الأمر كما زعم، بل هو مستحب مرغب فيه، بدليل ما قررناه.، قال الإمام ابن البقال رحمه الله تعالى:البدعة في لسان الشرع هي الأمر المخترع بعد زمن النبي (ص)، مما لم يدل عليه دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس. قال: ونحن ندعي أن هذا الفعل - يعني الاجتماع على الذكر والصلاة بالجهر والمناوبة-خارج عن هذا الحد، ويدل عليه أحاديث، فذكرها،.ثم قال: أي شيء ينكر المنكر في ذكر الله عز وجل بالاجتماع والمناوبة، فقول القائل:هذا يكون من البدع المكروهة على المشهور والمعمول به من الأقوال، كالزيادة على القرب المندوبة المحدودة، فأي السنة التي أمات هذا الفعل ، وأي الواجب الذي صادم، ولئن سلمنا كون هذا الفعل بدعة تسليما جدليا فيكون من البدع المندوبة، وهذا الفعل قد ائتلف من ثلاثة أمور: أحدها، الذكر،الثاني، الجهر به ،الثالث، المناوبة ، فادعاء التحريم في الأول كفر صراح، وادعاؤه في الثاني باطل ، بدليل ما تقدم فيه عن الأنمة،وادعاؤه في الثالث كذلك، بدليل ما تقدم من الأحاديث وكلام الأئمة المعول عليهم، فبطل بهذا أن يكون جزء من أجزاء هذا الفعل محرما، وإذا لم يكن جزء من أجزائه محرما، فمجموعه ليس بمحرم ،لأنه لا معنى للمجموع إلا أجزاؤه فقد صح والحمد لله أن هذا العمل ليس بدعة محرمة ، وإذا لم يكن محرما فلا سبيل لإنكار المنكر ، بل إنكاره هو بدعة محرمة ، وقد صرح بتحريم الإنكار على الذاكرين على الحالة المعهودة بعض العلماء ، (هـ) .
وقال ابن عرضون أيضا: اعلم أن في الاجتماع على الذكر خمسة أقوال مذهبية :
أحدها : المنع من ذلك ، ثانيها :الكراهة لمالك في النوادر والعتيبة ، ثالثها: الجواز في مكان خال في قليل من الناس ، قاله الباجي ، رابعها: الجواز مطلقا ، قاله المازري ، وبهذا جرى العمل في أقطار الأرض عند السادات الأخيار ، ولما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يجتمعون على قراءة السورة بصوت واحد ، وبهذا القول أفتى جماعة من الأئمة ، قال سيدي ابن عباد: والذي يظهر أن الدين إذا ذهب ، والإيمان إذا سلب ، وتمسك الناس بشيء من آثاره كأمثال هذه المسائل ، لم ينبغي لأحد أن ينكرها ، فيبقى الناس بلا دين ، ولا رائحة دين ، ولا ينبغي أن يقال : لو كان هذا الفعل جائزا أو مندوبا لفعله السلف رضي الله عنهم ، لأن أصول الدين كانت راسخة عندهم قوية ، وفروعه كما تلقوها من رسول الله (ص) غضة طرية ، فلم يحتاجوا إلى استعمال شيء من هذه المراسيم ، كما لم يحتاجوا إلى تدقيق النظر في نوادر المسائل الفقهية ، ولا وضعوا الكنانيش فيها ، فإن فرضت تلك بدعة مذمومة ، فهذا أيضا مثلها (هـ) .
ومن هذا المعنى، ما قاله سيدي عبد الله الهبطي في بعض أجوبته في المسألة ، ونصه:
وربما تجد عالما على كرسي وهو يعيب الذكر بالحلق ، ويعلله بأن ذلك لم يكن من فعل السلف الصالح ، أترى أن طلوعه على الأعواد ونقله العلم من الجلود ، من أين هو؟ هل هو من فعل السلف ، أم هو من محدثات الأمور؟ (هـ) خامسها :الاستحباب . قال أبو الطاهر الفاسي في تأليف له .قال: أول من سن ذلك في أفريقية محرز (هـ) وقد أخذ هذا القول من الرسالة أبو القاسم ابن خجو رحمه الله .وفي الصحيح عن ابن عباس :كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله بالتكبير ، وفي رواية ، أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة ، كان على عهد رسول الله (ص)، وكنت أعرف إذا انصرفوا بذلك (هـ) .ابن حبيب : كانوا يستحبون التكبير في العساكر والبعوث وإثر صلاة الصبح والعشاء تكبيرا عاليا ثلاثا ، وهو قديم ، وفيه إظهار لشعائر الإسلام (هـ) .
وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله (ص) إلى الخندق ، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم ، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع ، قال : اللهم إن العيش عيش الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة .فقالوا مجيبين له:

نحن الذين بايعنا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
وهذا كله قاطع في جواز إعلان هذه الأذكار والتساوق فيها ، قال ابن خجو :ومما هو قاطع في الباب لقاؤهم –أي الصحابة رضي الله عنهم – النبي (ص)حين قدم المدينة وإنشادهم مترسلين
طلع الـبـدر علينــا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا مــا دعــا لله داع

ووجه الاستدلال أنه ذكر له (ص) مقصود به التعظيم والقربة ، متراسل فيه، فيلحق غيره مما هو في معناه بقياس لا فارق ، وهذا بين لمن أنصف (هـ) وقد ألف الإمام السيوطي في الموضوع كتابا سماه نتيجة الفكر في الجهر بالذكر، جمع فيه أحاديث تقتضي استحبا ب الجهر بالذكر وأخرى تقتضي استحباب الإسرار به، وقال فيه : إذا تأملت ما أوردناه من الأحاديث عرفت من مجموعها أنه لا كراهة البتة في الجهر بالذكر، بل فيها ما يدعو إلى استحبابه إما صريحا أو التزاما ، والجهر عند السيوطي أفضل لهذه الفوائد، وهي أن العمل فيه أكثر ، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين ، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ، ولأنه يطرد النوم ويزيد في النشاط ، وأقوال العلماء المؤيدة للجهر بالقرآن والذكر والاجتماع على ذلك كثيرة ، وجريان العمل حجة عند القائلين به بشروطه ، وهذا العمل مؤيد بنصوص الحديث الشريف حسب ما ذكره السيوطي وغيره.


ثالثا : أقوال العلماء في جواز الذكر بالجهر في الجنائز طبقا لما جرى به العمل .
لقد أفتى كثير من العلماء بجواز الذكر بالجهر في الجنائز طبقا للخشوع وذكر الله تعالى ومنعا للناس من الاشتغال بذكر أمور الدنيا والضحك واللهو ، وغير ذلك مما يشاهد في الجنائز التي لا يجهر فيها بالذكر ، والذكر عندهم في هذا المقام مطلوب لفضائله وفوائده الجمة ، ولأنه شفاعة للميت ودعاء له بالمغفرة والرحمة ، وقد كان الفقيه الرهوني ألف تأليفا سماه : " التحصن والمنعة " ذهب فيه إلى عدم جواز الذكر في الجنازة جهرا، لكن عارضه الفقيه العلامة المهدي الوزاني بتأليف رد عليه فيه ، وأبطل حججه ، ومما ورد فيه قوله : قال الخرائطي في (كتاب الثبور) : سنة الأنصار إذا حملوا الميت أن يقرؤوا معه سورة البقرة ، وسئل الإمام ابن حجر عن الذين يحملون الأموات إلى قبورهم ، هل يذكرون الله جهرا ، مثل لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فأجاب : كل ذلك محمود ، ومن قال بدعة ، فمراده البدعة الجائزة لا المحرمة ولا المكروهة ، ونقل ابن عرضون عن الإمام أبي عبد الله البقالي التازي أن العمل شاع عند كافة أهل البلاد المشرقية من مصر والشام وغيرهما ، أنهم يحملون الجنائز بذكر الله عز وجل والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم ويحضرها العلماء المرجوع في الفتيا إليهم، والمعتمد في الاجتهاد عليهم، فلا يسمع من أحد منهم نكير ولا يفتي عالم من علمائهم في شيء من ذلك بتغيير، قال: وهذا جامع القرويين شرفه الله بذكره، قد اتصل عمل الناس فيه بالصلاة على النبي (ص) بعد العصر متطابقين على ذلك، معلنين متراسلين فيه منذ أزمان متطاولة لا يضبط أهل عصرنا أوائل تاريخها، ولم يزل العلماء المقتدى بهم، المسموع من أقاويلهم متوفرين بفاس كلأها الله تعالى، وهذا بالفعل بمرأى منهم ومسمع، لم يبلغ قط عن عالم منهم ولا مقتدى به من أكابرهم أنه منع من ذلك ولا أمر بتسكيت فاعله (هـ)، وقال الشيخ المهدي الوزاني بعد كلام: وعليه فالصواب مانقله – أي الرهوني- عن العهود للإمام الشعراني نقلا عن شيخه العارف سيدي علي الخواص، من أنه إذا علم من الماشين مع الجنازة أنهم لا يتركون اللغو في الجنازة، ويشتغلون بأحوال الدنيا، أن يأمرهم بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن ذلك أفضل من تركه ولا ينبغي لفقيه أن ينكر ذلك إلا بنص أو إجماع أو قياس فإن مع المسلمين الإذن العام من الشارع بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، لأن الماشين معها إن لم يشتغلوا بالذكر المذكور اشتغلوا بالكلام على الدنيا قطعا كما هو مشاهد، وحينئذ، فالاشتغال بالذكر أولى لا محالة، وكلام ابن لب بنفسه يفيد هذا، فإنه سئل كما في نوازل الصلاة من المعيار عن إمام يقرأ دبر كل صلاة الصبح حزبا من القرآن، ويضيف إليه آيات متعددة وتهليلا وتسبيحا، واستغفارا وصلاة على النبي (ص)، فاعترض عليه ذلك. فأجاب: الذي يقرأه هذا الإمام ويذكره، داخل في باب الذكر الذي أمرنا الله سبحانه بالإكثار منه، ولا يشك أن الأفضل أن يقول الإنسان ذلك الذكر، ومثله وحده، لكن تغلبه النفس على الترك مع الوحدة فيصير الاجتماع على ذلك من باب التعاون على البر والتقوى، ولاسيما في هذا الزمان الذي قل فيع الخير وأهله (هـ) باختصار مما نقله الشيخ الوزاني في نوازله الصغرى.

وسئل ابن هلال كما في نوازله عن جماعة يجتمعون على قراءة السورة الواحدة، هل يجوز ذلك أم لا؟
فأجاب: الوارد عن مالك أنه بدعة، ولكن ذكر بعض المتأخرين انه جرى به العمل، فلا كراهة (هـ) .
قال الشيخ المهدي الوزاني فأنت ترى الأول ذكر أن من كان وحده تغلبه النفس على الترك، فيسوغ له الاجتماع وإن كان بدعة، ومثل ذلك يقال هنا فإن الاشتغال بالتفكر تغلب فيه النفس على الترك، لأن كل إنسان يتفكر وحده بخلاف الذكر جماعة، فإن الإنسان بالاجتماع فيه مع غيره يقوي عليه، والثاني ذكر أن نص مالك هو البدعة، ولكن جرى به العمل، فكذا يقال هنا، فإن العمل على التهليل من وقت رفع الجنازة حتى تصل القبر منذ أدركنا في جميع مدن المغرب من غير نكير من احد فيما رأينا، واتصل إليه علمنا بل يحضره العلماء والأكابر، ويذكرون ذلك بأنفسهم. وأيضا فإن مقصودهم بالتهليل الشفاعة للميت المحمول، والتضرع إلى الله أن يقبله ويتجاوز عنه. والذكر من أنواع العبادات التي تصلح للشفاعة والتقرب بها إلى الله تعالى، ولاسيما في الموضوع الهائل، " فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا " ، " فاذكروني أذكـركم " ، " فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم " ،"ولذكــر الله أكـــبر " (هـ) .
وقد سئل أبو القاسم بن خجو عن مثل نازلتنا، أعني الذين يحملون موتاهم إلى قبورهم، هل يذكرون الله جهرا مثل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهل ذلك جائز، وهل ينتفع به الميت أو لا فائدة فيه، وهل يجهر بالدعاء، لأن أكثر الناس لا يحسنون ذلــــك.
فأجاب بما نصه:
الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، ذكر الله مطلوب على كل حال وفي كل حال، وينتفع الذاكر المخلص بذكر الله لا محالة ، ولا خلاف أن الميت ينتفع بدعاء الحي ومن دعا له، وكل ذلك محمود، ومن قال فيه: بدعة، فمراده البدعة الجائزة –أي غير الممنوعة –لا المحرمة ولا المكروهة، لأن البدع تنقسم للأحكام الخمسة، محرمة ومكروهة وواجبة ومستحبة كالمسؤول عنها، ومباحة، والذكر بالجهر مع السلامة من الرياء أنفع لما يسري من الانتفاع للسامعين.
وهكذا، يظهر من نصوص الفقهاء وأجوبة العلماء استحباب قراءة القرآن على موتى المسلمين، واستحباب الجهر بالذكر، علاجا للهذيان والغفلة واللهو في موقع الاعتبار والاتعاظ، جرى به عمل المغاربة منذ عصور خلت وعمل به الناس في عدد من بقاع العالم الإسلامي، وهو ما يأخذ به المجلس العلمي للإقليم لوضوح أدلته ورجحانها.


وبالله التوفـــــــــــــــــــــيق
والسلام ./.

المصدر: فتوى صادرة عن المجلس العلمي الإقليمي لمحافظة تطــوان - المملكة المغربية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://habriya.7olm.org
 
أدلة جواز قراءة القرآن على الميت والذكر عند تشييع الجنازة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الزاوية الهبرية الدرقاوية الشاذلية مداغ :: موقع الزاوية الهبرية الدرقاوية الشاذلية :: الزاوية الهبرية مداغ =لدخول لمجموع المواضيع من هنا-
انتقل الى: